الذهبي

89

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

التّظاهر بالإسلام ، وإقامة شعاره . وسيّروا إلى بغداد رسولا ومعه مائتا شابّ منهم ، ودنانير كبارا في مخانق ، وعليها « لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه » ، وطافوا بها في بغداد ، وجميع من حولها يعلن بالشهادتين . وكان النّاصر لدين للَّه قد ملأ القلوب هيبة وخيفة . فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد ، فأحيا هيبة الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم ، ثمّ ماتت بموته . ولقد كنت بمصر والشام في خلوات الملوك والأكابر ، فإذا جرى ذكره ، خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا . وورد بغداد تاجر معه متاع دمياط المذهب ، فسألوه عنه ، فأنكر ، فأعطي علامات فيه من عدده وألوانه وأصنافه ، فازداد إنكاره ، فقيل له : من العلامات أنّك نقمت على مملوكك التّركيّ فلان ، فأخذته إلى سيف [ ( 1 ) ] بحر دمياط خلوة ، وقتلته ودفنته هناك ، ولم يشعر بذلك أحد . قال ابن النجار في ترجمة النّاصر : دانت له السلاطين ، ودخل تحت طاعته من كان من المخالفين ، وذلّت له العتاة والطّغاة ، وانقهرت بسيفه الجبابرة والبغاة ، واندحض أضداده وأعداؤه ، وكثر أنصاره وأولياؤه ، وفتح البلاد العديدة ، وملك من الممالك ما لم يملكه من تقدّمه من الخلفاء والملوك أحد ، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصّين ، وكان أسد بني العباس ، تتصدّع لهيبته الجبال ، وتذلّ لسطوته الأقيال . وكان حسن الخلق ، لطيف الخلق ، كامل الظّرف ، فصيح اللّسان ، بليغ البيان ، له التّوقيعات المسدّدة ، والكلمات المؤيّدة ، كانت أيامه غرّة في وجه الدّهر ، ودرّة في تاج الفخر . وقد حدّثني الحاجب أبو طالب عليّ بن محمد بن جعفر قال : برز توقيع من الناصر لدين اللَّه إلى جلال الدّين ابن يونس صدر المخزن : « لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يقدموا على أمر لم ينظروا في عاقبته ، فإنّ النظر قبل الإقدام خير من الندم بعد الفوات ، ولا يؤخذ البرآء بقول الأعداء ، فلكلّ ناصح كاشح ، ولا يطالب بالأموال من لم يخن في الأعمال ، فإنّ المصادرة مكافأة للظالمين ، وليكن العفاف والتقى رقيبان عليك » .

--> [ ( 1 ) ] السّيف : شاطئ البحر .